فخر الدين الرازي
458
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قالت « كان يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك وانك لتهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء أولها : أن هؤلاء / الكفار لو ملكوا كل ما في الأرض من الأموال وملكوا مثله معه لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب الشديد وثانيها : قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي ظهرت لهم أنواع من العقاب لم تكن في حسابهم ، وكما أنه صلى اللّه عليه وسلّم قال في صفة الثواب في الجنة « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » فكذلك في العقاب حصل مثله وهو قوله : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وثالثها : قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ومعناه ظهرت لهم آثار تلك السيئات التي اكتسبوها أي ظهرت لهم أنواع من العقاب آثار تلك السيئات التي اكتسبوها . ثم قال : وَحاقَ بِهِمْ من كل الجوانب جزاء ما كانوا يستهزئون به ، فنبه تعالى بهذه الوجوه على عظم عقابهم . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 49 إلى 52 ] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 ) أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) [ في قوله تعالى فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ] اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة ، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى اللّه تعالى ، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه ، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة ، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس ، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده ، فإن كان مالا قال إنما حصل بكسبي ، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني ، وهذا تناقض عظيم ، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل / إلى اللّه وفي حال السلامة والصحة قطعه عن اللّه ، وأسنده إلى كسب نفسه ، وهذا تناقض قبيح ، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة ، فقال بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة ، لأن عند حصولها يجب الشكر ، وعند فواتها يجب الصبر ، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة ، كما يقال فتنت الذهب بالنار ، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته . ثم قال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار . وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب . السؤال الأول : ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء هاهنا ، وعطف مثلها في أول السورة بالواو ؟